محمد بن الطيب الباقلاني
139
الإنتصار للقرآن
وقد وصفنا أيضا فيما سلف ما كانت عليه أحوال سلف الأمة من إعظام القرآن وأهله ، وأخذهم أنفسهم / بتحفّظه وإجلال مؤدّيه إليهم ، وبذلهم أنفسهم وأموالهم في نصرته وتثبيت أمره وتصديق ما جاء به ، والخنوع لموجبه ، وأنّ ذلك أجمع يمنع في وضع العادة وما عليه الفطرة من ضياع شيء من كتاب اللّه تعالى وإدخال زيادة فيه يشدّك أمرها ، ويخفى على الناس حال الملتبس بها . ولقد أخرج الصحابة ظهور القرآن بينهم وشهرته فيهم وشدة تعليم الرسول وتعلّمهم إياه منه ، ومداومتهم على ذلك ، وجعله ديدنا وشعارا إلى ضرب المثل به ، وإقرائه بما شهر تعليم الرسول له على وجهه وترتيبه الذي لا يجوز ويسوغ مخالفته وتقديم مؤخّر منه أو تأخير مقدّم . وكانوا يقولون في حديث التشهّد : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعلّمنا التشهّد كما يعلّمنا السورة من القرآن » « 1 » ، وإنما قالوا ذلك على وجه تعظيم أمر التشهّد والإخبار عن تأكّد فريضته ، ولزوم ترتيبه على سنن من لقّنوه ، وكيف يجوز مع هذا أن يذهبوا عن حفظ القرآن الذي هو الأصل أن يؤخّروا منه مقدّما أو يقدّموا مؤخّرا ، ويجتهدوا في إحالة نظمه وتغيير ترتيبه . ولقد كانوا يأخذون أنفسهم بكثرة دراسة القرآن ، والقيام به والتبتّل له ، حتى ظهر ذلك من حالهم وانتشر ، حتى تظاهرت الروايات بأنّ الصحابة كان لهم إذا قرءوا في المسجد دويّ واشتباك أصوات بقراءة القرآن ، حتى يروى أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمرهم إذا قرءوا أن يخفضوا أصواتهم لئلا يغلّط بعضهم بعضا ، وروي عن عبد اللّه بن عمر أنه قال : « إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا قرأ
--> ( 1 ) رواه مسلم في « صحيحه » ( 1 : 302 كتاب الصلاة باب التشهد في الصلاة برقم 403 ) ، ورواه أبو داود في « سننه » ( 1 : 256 كتاب الصلاة باب التشهد برقم 974 ) .